مجموعة مؤلفين

138

مع الركب الحسيني

بعد صفّين ، وخصوصاً في الأيام التي صار فيها معاوية بلامنازع ينازعه ، « 1 » حتّى صار لكلمة ( خيل الشام ) أو ( جند الشام ) أو ( جيش الشام ) يومذاك أثر رهيب في روع جُلِّ أهل الكوفة خاصة ، لما ذاقوه من ويلات ومرارات على يد ذلك الجيش ، ولما عانوه في عهد معاوية من سياسات تعمّدت قهرهم خاصة وإذلالهم في جميع جوانب حياتهم ، وكانت المواجهة مع ( جيش الشام ) في أذهان وقلوب جلّ الكوفيين تعني يومذاك المواجهة مع عدوّ لا يرقب فيهم إلّا ولاذمّة ، ولايتورّع عن انتهاك أعراضهم وحرماتهم وقتل العزّل والأبرياء منهم ، وقطع أرزاقهم ومنع العطاء عنهم . وهذا لا يعني أنّ الكوفة قد عُدمت الأخيار الأبرار من أهاليها ، بل إنّ في الكوفة ، من رجالات المبدأ والعقيدة والجهاد جماعة مثّلوا المستوى الرفيع في الشخصية الإسلامية التي جسّدت النهج القرآنيّ في سيرتها وسلوكها . لكنّ هؤلاء كانوا القلّة العزيزة النادرة في مجموع أهل الكوفة ، ويكفي دليلًا على ذلك قياس مجموع من نصر الإمام الحسين عليه السلام منهم إلى مجموع من نكل عنه ونقض بيعته وأطاع أعداءه في قتاله وقتله ! فلو كان التكتل الكبير الذي بايع مسلماً عليه السلام قد نال حظّاً وافراً من الإعداد التربوي والإصلاح الروحي لما تفرّق هذا التفرّق السريع المذهل عن مسلم عليه السلام ، ولكان فيه بقيّة وافية كافية لإنجاح خطّة مسلم عليه السلام وقهر ابن زياد ، من الرجال القرآنيين الذين لم يُضعف عزائمهم الوهن ، ولم يعتورهم الشلل النفسي ، الذين أحبّوا الموت والقتل في اللّه من أجل لقاء اللّه ، وكرهوا الدنيا بلا عزّة وما أثّاقلوا

--> ( 1 ) راجع تفاصيل هذه الحقيقة في الجزء الأول من هذه الدراسة ؛ المقالة الأولى ( حركة النفاق . . قراءة في الهوية والنتائج ) : ص 36 - 137 .